أسطورة الخيام
إبراهيم العريض«أسطورة الخيام» قصيدة من شعر إبراهيم العريض، تقع في 214 سطرًا.
(1)
٢ في أرض إيرانَ حيث الهَضْبُ لابسةٌ
٣ زنّارَها
٤ من الثلوجْ
٥ كالحُورْ
٦ تستقبل الشمسَ .. والأنهارُ هامسةٌ
٧ أسرارَها
٨ بين المروجْ
٩ للنُّورْ
١٠ جلا الربيعُ بنيسابورَ موكبَهُ
١١ فزاد عِيداً إلى أعيادها الأُخَرِ
١٢ يا ناعماً في ربوع الخلدِ ليلتَهُ
١٣ مسّتْ خطاكَ ثرى الوادي مع السَّحَر
١٤ فلم تزل خُفَراءُ الطيرِ تهتف في
١٥ أفنانها لنجومِ الأرضِ بالخبر
١٦ حتى تلألأنَ في ضوء النهارِ ثُنًى
١٧ وفزنَ منك فُرادى بالشذى العَطِر
١٨ فالزهرُ في قاعها يفترّ مَبسمُهُ
١٩ يا ليلُ هل صبغتْ فاهُ يدُ القمر؟
٢٠ والعشبُ من حولها يزهو بخضرتهِ
٢١ يا أفقُ! هل هو ميدانٌ إلى النظر؟
٢٢ والطيرُ من فوقها في ظلّ وارفةٍ
٢٣ يا غُصْنُ! هل أخذتْه رَشّةُ المطر؟
٢٤ والنهرُ من تحتها في موجه أَلَقٌ
٢٥ يا شمسُ هل هو مرآةٌ إلى الشجر؟
٢٦ إني لأسمعُ في أرجائها ضَحِكاً
٢٧ كنغمةٍ بعثتْها هِزّةُ الوتر
٢٨ يا من يُؤمّل في الفردوس بُغْيتَهُ
٢٩ قَررتَ عيناً بها في هذه الصور
٣٠ لَبِّ الحياةَ فقد عمّتْ بدعوتها
٣١ وما الربيعُ سوى تجديدِ ذكراها
(2)
٣٣ أتى الربيعُ إلى الدنيا كعادتهِ
٣٤ بما اجتناهْ
٣٥ من الجِنانْ
٣٦ ملءَ اليدِ
٣٧ فكاد يشغل عنها في عبادتهِ
٣٨ بما رآهْ
٣٩ من الحسانْ
٤٠ في المعبدِ
٤١ وأقبلتْ تتهادى في غلائلها
٤٢ بنتُ الجِنان تُحيّيها كحوّاءِ
٤٣ لو حاول الليلُ أن يغزو غدائرَها
٤٤ لماج يسأل: أين الكوكبُ النائي
٤٥ تَضاحكَ الوردُ لما قيل «وجنتُها»
٤٦ أكنتَ، يا وردُ، مَشغوفاً بإطراء؟
٤٧ فأسفرتْ عن مُحيّا في بشاشتهِ
٤٨ يكاد يقطر منه الحسنُ كالماء
٤٩ شفَّ الحريرُ الذي وارى ترائبَها
٥٠ عن فاتنَيْنِ.. فهل هَمّا بأشياء
٥١ لم تسحبِ الذيلَ فوق الزهرِ سائرةً
٥٢ إلا ومال يُزّكيها بإيماء
٥٣ حتى أتتْ مَحْفلاً في الروض منزوياً
٥٤ قد لاذ في السُّكْر أهلوه بأفياء
٥٥ هذا أخو شيبةٍ ألقى اليراعَ على
٥٦ ما خطّه وانثنى في شبه إغفاء
٥٧ فهيّأتْ كأسَه... حتى إذا نظرتْ
٥٨ ما في الصحيفة .... غَنّتْ للأحبّاء
٥٩ - والشوقُ في دمها والعُودُ في يدها
٦٠ يُعيد نغمتَها الأولى بأصداء -
٦١ «يا نائماً في ظلال الكرمِ وابنتُهُ
٦٢ في الحُلْم تُؤنسه.. قُمْ وارتشفْ فاها»
***
(3)
٦٥ هذا الجمالُ الذي كم وَد َّناظرُهُ
٦٦ في ميعةٍ
٦٧ من صباهْ
٦٨ لو نالهُ
٦٩ يا وردُ! مثلكَ إنْ حيّاه شاعرُهُ
٧٠ بنغمةٍ
٧١ مِن هواهْ
٧٢ أصغى لهُ
٧٣ «شيرينُ! غنّيتِ صوتاً كان يطربني
٧٤ ليت الأحبّاءَ عادوا لي مع النغمِ
٧٥ ناموا.. وهدهدتِ الأزهارَ بعدَهُمُ
٧٦ يدُ الربيعِ على عيني.. فلم تنم
٧٧ ذكّرتِني بشبابي إذ تطوف بهِ
٧٨ في باحة الخُلْدِ آمالٌ مَدى الحُلُم
٧٩ إذ كنتُ أُطلق نفسي في سجيّتها
٨٠ فلا تَني السبقَ من جَرْيٍ على قدم
٨١ أشكو مواقعَ عينَيْ كلِّ فاتنةٍ
٨٢ مفتونةٍ بالذي أجلو من الشَّمَم
٨٣ باحت بسِرِّ شَكاةِ القلبِ رائعةٌ
٨٤ تلوح كالبرق في داجٍ من الظَّلُم
٨٥ ما للبياض - أحال اللهُ جِدَّتَهُ -
٨٦ يُفضي إلى الهمِّ ... لا يُفضي إلى الهِمَم
٨٧ نُعدّ للصبر أنفاساً مُحرِّقةً
٨٨ حتى تَحولَ رماداً فحمةُ اللِّمَم
٨٩ لأقطعنَّ نياط َالقلبِ إنْ وجدتْ
٩٠ نفسي سبيلاً إلى غرس المنى بدمي
٩١ فلو سفرتِ عن الآمال كان بها
٩٢ ما بي من الزمن الموفي على الهَرَم
٩٣ فجَدّدي ليَ باللحن الجميلِ رؤىّ
٩٤ لا زلتُ تحت ظلال الكرمِ أرعاها
(4)
٩٦ يا طَرْفَها! إنه قَضّى الحياةَ إلى
٩٧ مشيبهِ
٩٨ في اكتناهِ الشُّهْبِ
٩٩ وظلّ مَجمرُه في الأرض مشتعلا
١٠٠ بطيبهِ
١٠١ لإلهِ
١٠٢ الحُبِّ
١٠٣ «شيرينُ! حسنُكِ أعطى الأرضَ زينتَها
١٠٤ حتى ولو لم يزنْها كفُّ نَيْسانِهْ
١٠٥ فكيف والطيرُ قد بلَّ الندى فمَهُ
١٠٦ فطار يملأ مَغناها بألحانه
١٠٧ هذا الربيعُ قد استلقى بحاشيةٍ
١٠٨ من الزهور على الوادي وشُطآنه
١٠٩ يُصيخ للبلبل العربيد.. وَهْو على
١١٠ أرجوحةٍ من نسيم الروضِ أو بانه
١١١ يهزّ أرجاءَها هزّاً بنغمتهِ
١١٢ ولا يفيق - كأن السكرَ من شانه
١١٣ فلقِّنِيه من الألحان أطربَها
١١٤ إلى النفوس... وجازيه بإحسانه
١١٥ وبادلي الروضَ أنفاساً مُعطَّرةً
١١٦ فما أرقَّ الصَّبا في ظلّ أفنانه
١١٧ وضاحكي الوردَ في إبّان حُمرتهِ
١١٨ فربّما عاد مطويّاً لأشجانه
١١٩ ودونكِ النهرُ.. فانْسِي في تَدفّقهِ
١٢٠ هذا القميصَ الذي يُزري بإنسانه
١٢١ أما كفى الحسنَ أنّ الموتَ يرصدُهُ
١٢٢ فما له في الصِّبا يسعى بأكفانه
١٢٣ وقبّلي الكأسَ ما دامت مُشعشعةً
١٢٤ ولا تشحّي على ثغري بُبقياها»
(5)
١٢٦ يا ربّةَ الحُسْنِ! إن السُّكْرَ مبعثُهُ
١٢٧ عيناكِ
١٢٨ وحدَهما
١٢٩ لا الكاسْ
١٣٠ وأين من شفتيكِ السِّحرُ ينفثهُ
١٣١ صرعاكِ
١٣٢ باسمهما
١٣٣ في الناسْ
١٣٤ طافت عليهم بها كالشمس ساطعةً
١٣٥ يرى على الخَدّ من لألائها شَفَقُ
١٣٦ فعبَّ فيها ثلاثاً وَهْي تسندُهُ
١٣٧ حتى تَماسكَ في أحشائه الرَّمق
١٣٨ وعاودَ العُودَ شيءٌ من تململهِ
١٣٩ لما غدا العُودُ بين الجمر يحترق
١٤٠ فظلّ يبعث في الأسماع أنّتَهُ
١٤١ موصولةً دون أن ينتابَها قلق
١٤٢ ثم استمرّتْ تُغنّيهم - بما حملتْ
١٤٣ يدُ الربيعِ لهم - والعودُ يصطفق
١٤٤ «يا عاشقَ الوردِ! ما جاء الربيعُ لكي
١٤٥ يحيا حبيبُكَ محفوفاً به الورق»
١٤٦ وصوتُها ماج بحراً لا هدوءَ لهُ
١٤٧ من كلّ نجمٍ على أمواجه أَلَق
١٤٨ يعلو.. فتحسبه شَقَّ القلوبَ إلى
١٤٩ حَبّاتِها.. وطوى آلامَها الغرق
١٥٠ حتى إذا خفَّ - مغموراً بموجتهِ -
١٥١ شيئاً فشيئاً ... تراءى حولها الأُفُق
١٥٢ فمال كلُّ نديمٍ في تَرنُّحهِ
١٥٣ على سواه من الصوت الذي عشقوا
١٥٤ «فاقطفْه في زهوه.. وانظرْ إلى دمهِ
١٥٥ هل مازجَ الكاسَ إذ تسقي وتُسقاها»
(6)
١٥٧ بات الهزارُ بقرب الوردِ يعبدُهُ
١٥٨ يا طلُّ
١٥٩ كنْ كالخمرِ
١٦٠ رقراقا
١٦١ وقُلْ إلى النجم إنّ الفجرَ موعدُهُ
١٦٢ يظلُّ
١٦٣ حتى الفجرِ
١٦٤ بَرّاقا
١٦٥ وتَمّ للشمس في الأفلاك جولتُها
١٦٦ فجاوزت بخُطاها الغربَ في خَفَرِ
١٦٧ وظلّ من بعدها ما احمرَّ من شفقٍ
١٦٨ يسائل الأرضَ هل غابت عَنِ النظر
١٦٩ فانفضّ في الروض حفلٌ كان مُنشدُهُ
١٧٠ من الطيور وساقيه من الزَّهَر
١٧١ وأقبلَ الليلُ يحدوه تَطلُّعُهُ
١٧٢ إلى الذي خلّف الندمانُ من أثر
١٧٣ يا ليلُ! اِنفرطَ العِقْدُ الذي امتلأتْ
١٧٤ به يداكَ ففاض الكونُ بالدُّرَر؟
١٧٥ لولا سناها لما عاينتَ شاعرَهُمْ
١٧٦ وقد تَوسّدَ كفَّيْه على النَّهَر
١٧٧ بجنب شيرينَ.. مأخوذاً بروعة ما
١٧٨ تُدليه في مائه الجاري من الشَّعَر
١٧٩ ووجهُها باسمٌ يُغني بطلعتهِ
١٨٠ عن الشموعِ - ويُمناها على الوتر
١٨١ قال: انظري كيف يبدو في الظلام لنا
١٨٢ سِرُّ الجمالِ الذي يَخفى مع السَّحَر
١٨٣ شيرينُ! لو كان لي بعد البِلى أملٌ
١٨٤ لما تمنّيتُ إلا ثانياً عُمُري
١٨٥ فعشتُ في هذه الدنيا كعهدكِ بي
١٨٦ للحسن.. يُشعل لي ناراً فأغشاها»
(7)
١٨٨ للحسن فينا - كما فيه لنا - وَطَرُ
١٨٩ من لم يَحُمْ
١٩٠ بين يَدَيْ
١٩١ نُوْرِهْ
١٩٢ عاش الندامى وحَلّى كأسَهم قَمَرُ
١٩٣ على النغمْ
١٩٤ من عرش دَيْـ.. ـجُوْرِهْ
١٩٥ عاد الربيعُ لنيسابورَ ثانيةً
١٩٦ وقد تبدّلَ زاهي أمسِها بغدِ
١٩٧ فكان في الموكب التالي كسابقهِ
١٩٨ يمشي مع الحُسنِ مختالاً.. يداً بيد
١٩٩ كم ذاب قلبُ هَزارٍ في تَرنُّمهِ
٢٠٠ حتى تَضوَّعَ هذا الزهرُ وَهْو ندي
٢٠١ عاد الربيعُ.. وقد حفَّ الحِسانُ بهِ
٢٠٢ إلا الذي كان يهوى الحُسْنَ لم يَعُد
٢٠٣ سَلِ الورودَ وقد وارت بكِلَّتِها
٢٠٤ ضريحَه لِمَ لمْ تُكْثِر من العدد
٢٠٥ هناك حيث قديماً طاب محفلُهُمْ
٢٠٦ حلّ الندامى على أنماطها الجُدُد
٢٠٧ عاد الربيعُ.. فلا ردّوا تحيّتَهُ
٢٠٨ إلا بأحسنَ منها - دائمَ الأبد
٢٠٩ بشعلةٍ في يديها.. روحُ شاعرهمْ
٢١٠ مثلَ الفَراشِ حواليْها مع الحَشَد
٢١١ حتى إذا تَمَّ دَوْرُ الكأسِ بينهُمُ
٢١٢ تهتزّ أوتارُه من صوتها الغَرِد:
٢١٣ «واضيعةَ الكأسِ يوماً إن عثرتُ بها
٢١٤ على رفاتي.. فلم أنعمْ برؤياها»
القرّاء
عارِض هذه القصيدة اكتب على رويّها وبحرها.
اقرأ أيضًا من شعر إبراهيم العريض
عرض الكلالمصادر والحقوقرقم القصيدة 127208